مشاهدة النسخة كاملة : اثر معاملة الرسول قى نشر الدين الاسلامى
زيتونة القدس
09-02-2009, 05:40 AM
تمهيد
أرسل ـتعالى ـ رسوله محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ في زمن لم يكن الناس في حاجة إلى مال ، أو معيشة ، ا, شراب ، ولم تكن أجسادهم بحاجة إلى شيء بقدر حاجة نفوسهم ، فقد شربوا رغد العيش حتى الشمالة ، وأصبحت مكة وما جاورها مهوى الأفئدة ، ومبتغى التجار والرحالة والسائرين ، ولقد تطلعت إليها القبائل العربية لكونها تعيش شظف العيش أما ( قبائل قريش القاطنين بالحرم ، فنهم يعيشون على رحلتي الشتاء إلى اليوم ، والصيف إلى الشمال ، وقد أمتن الله ـ تعالى ـ ذلك عليهم في قوله : (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ*إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ) [ قريش : 1-2 ] فكانوا في رغد من العيش على خلاف غيرهم ، فإنهم كانوا يعيشون على شظف العيش وضيق ، وما كان لقريش من سعة الرزق إنما كان لها من أجل حماها للحرم ، وتقديسها له ، كما هو كرامة الله لأرحام وأصلاب يتنقل فيها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ) .
كما اختلطت هذه الثورة الاقتصادية بما واكبها من مظاهر اجتماعية سيئة كانت سبباً في فساد المجمع القرشي ، وانحطاطه خلقياً واجتماعياً ، ومن أشهر تلك العادات السيئة التي هبطت بالمجتمع العربي قبل الإسلام : القمر المعروف بالميسر ، وشرب الخمر، الاجتماع عليها ، ونكاح الاستبضاع ، وواد البنات ، وتقل الأولاد ، وتبرج النساء كاشفات محاسنهن ، واتخاذ الحرائر من الناس الأخدان من الرجال ، وألان الإماء عن البغي بهن والعصبية القبيلة ، وشن الغارات والحروب .
فجاء ـ عليه الصلاة والسلام ـ في أهم ما يحتاجون إليه ، وهو الجانب العقائدي الذي فسد بسبب انقطاع الوحي عليهم بعد أن عمر الله ذلك الوادي بإبراهيم ـ عليه السلام ـ وولده إسماعيل ، وأصبحت مهمة الدعوة في ذلك في ذلك المجتمع صعبة لما كانت قد اعتادته نفوسهم ، وتوجهت إليه قلوبهم من معبودات وعادات ، جلبتها لهم الجاهلية ، والابتعاد عن دين الله ، وكانوا قد اتخذوا لهم أصناما عيد ، وقبوراً تقدس ، وآلهة ليس فيها نفع ، ولا منها ضر ، وكان وجود هذه الأصنام في بلاد العرب بدعاء لا سابق له ، فقد خرج عمرة أبن لحي من مكة إلى بلاد الشام في بعض أموره ، فلما قدم مآب من أرض البلقاء ، وبها يومئذ العماليق وهم ولد عملاق ، ويقال ولد عمليق بن لاوذين سام بن نوح رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم : ما هذا لأصنام التي أراكم تعبدون ؟ قالو له : هذه الأنصام نعبدها فنستطموها فتمطرنا وتستنصرها فتنصرنا ، فقال لهم ك ألا تعطوني منها صنماً فأصير به على أرض العرب فيعبدونه ، فأعطوه صناً يقال له هبل ، فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظميه ) وبذلك استبدل العرب بدين إبراهيم وإسماعيل غيره ، فعبدوا الأوثان ، وصاروا على ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات ، وبعد ذلك ( اتخذ أهل كل درا فيم دارهم صنماً يعبدونه ، فإذا أراد الرجل مهم سفراً تمسح به ، فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره ، وإذا قدم من سفره تمسح به ، فكان ذلك أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله ، قال : فملا بعث الله محمداً ـ صلى الله عليه وسلم بالتوحيد قالت قريش : ( أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب ) [ ص . 5 ] . ولقد كان من الصعوبة تغيير هذه المفاهيم والنفوس التي جبلت على الشركات والمعبودات ، وكان لزاماً على من أتى لتغييرها وتبديلها أن يكتسب ما يساعده في تحقيق ذلك ، ولذلك كانت حجتهم في قولهم ، وردهم على الأنبياء بذلك : ( قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين ) [ الأنبياء : 53 ] ، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) [ لقمان 21] ، (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) (الزخرف:23).
وعلى الرغم من كل هذا إلا أن الحبيب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم استطاع أن يغير واقع هذا الشعب ، وينقلهم من ذل العبودية للصنم والخلق ، لعز العبودية لله ـ تعالى _ من خلال ما وهبه الله من حين في القول والفعل ، وتميز في التعامل مع الناس ، ولا غرور في ذلك فقد شهد له ربه : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) [ القلم : 4] وتحدث عن نفسه وهو الصادق " أدبني ربي فأحسن تأديبي " .
وإن المتتبع لسيرته ـ صلى الله عليه وسلم ليجد فيها ما يغني من حسن التصرف مع طبقات مختلفة من الناس ، في زمن الجهل ، وضعف الوزاع ، بل لقد سمع الناس به ، والتمسوا اخباره ، ثم انقادوا له مؤمنين ، وصاروا عله بعد ذلك رسلاً لأقوامهم ، وناصرين لدين الله .
ولقد استطاع ـ عليه الصلاة والسلام ـ بصفاته الطاهرة أن يحول تلك الطاقات البشرة لصالح الإسلام ، ولم يكن معه عصى سحرية يستجلب بها لقلوب الناس ، ولكن معه قدرة في التعامل، أيده الله بها ، فصارت قلوب الناس لهذا الدين تهوى وتعشق .
زيتونة القدس
09-02-2009, 05:42 AM
الفصل الاول
كمال النفس ، ومكارم الأخلاق
بعث الله ـ تعالى ـ نبيه ـ صلى الله عليه وسلم إلى عموم الثقلين ، وأيده الله بما أيده به من معجزات إلهية ، ودلائل نبوية ، كانت وما زالت حديثاً يتناقله الناس ، ويتفاخر به المسلمون ،ولذلك ظهرت له العديد من هذه الصفات ، وتناقلت بعد وفاته ، صفحات جعلت منه حديثاً للقلوب تأنس بالحديث عنه ، وتلذ عند الوقوف عندها .
ولقد عرفت لنا مواقفه مع أهل بيته وأصحابه وخدمة وماليه الكثير من هذه الصفات التي ساندته في نشر دعوته ، وإبلاغها للناس ، ولعل في ذكرها توطيداً للحديث عن أثها في الناس الذي كان له الغلبة ، فما لبث الناس أن يدخلوا في دين الله أفواجاً .
ومن هذه الصفات الكثيرة التي لا يمكن حصرها ، ما كان عليه من الحلم والاحتمال ، والعفو عند المقدرة ، والصبر على المكاره ، ( صفات أ دبه الله بها ، وكل حليم قد عفرت منه زلة ، وحفظت عنه هفوة ، ولكنه ـ صلى الله عليه وسلم لم يزد مع كثير الأذى إلا صبراً وعلى إسراف الجاهل إلا حلماً ، قالت عائشة رضي الله عنها : " ما خير رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً ، فإن كان إثماً كان أبعد الناس عنه ، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها ، وكان أبعد الناس غضباً ، وأسرعهم رضاً ) .
ولعله من المناسب الاستشهاد على هذا الصفات العظيمة ،والاخلاق الرفيعة بموقفه ـ عليه الصلاة والسلام ـ مع الأعرابي الذي سأله ، فعن أنس ابن مالك ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنه قال : كنت مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعليه برد غليظ الحاشية ، فجذبه أعرابي بردائه جذبه شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عنقه ، ثم قال : يا محمد أحمل لي على بعيري هذين من مال الله الذي عندك ، فنك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك ، فسكت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم قال : المال مال الله ، وأنا عبده ، ثم قال : ويقاد منك يا أعربي ما فعلت بي ، قال : لا ، قال : لم ؟ قال : لأنك لا تكافئ بالسيئة السيئة ن فضحك عليه الصلاة والسلام ، ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير ، وعلى الآخر تمر وكان من جميل خصاله الحياء وغض البصر ، كيف لا ؟ وهو الذي بعث للتشريع ، والذي حماه الله من كل باطل في الجاهلين ! فكيف به وقد أصبح رسول الإسلام ؟ وقد أخبر ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند ذلك عن نفسه فقال : ( لما نشأت بغضت إلى الأوثان ، وبغض إلى الشعر ، ولم أهم بشيء مما كانت عليه الجاهلية تفعل إلا مرتين ، كل ذلك يحول الله برسالته ، قلت ليلة لغلام كان يرعى معي : لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر كما يسمر الشباب ، فخرجت حتى جئت أول دار من مكة أسمع عزفاً بالدفوف والمزامير لغرس كان لبعضهم فجلست لذلك ، فضرب اله على أني ، فنمت فما أيقظني إلا حر الشمس ، ولم أقض شيئاً ، ثم عراني ذلك مرة أخرى ) .
وفي حيائه قال أبو سعيد الخدري : ( كان أشد حياة من العذراء في خدرها ، وإذ كره شيئاً عرف في وجهه ، وكان لا يثبت نظره في وجه أحد ، خافض الطرف كان نظرة إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء ، جل نظره الملاحظة ، لا يشافه أحداً بما يكره حياء ، وكرم نفس ، وكان لا يسمي رجلاً بلغ عنه شيء بكرهه ، بل يقول : ما بال أ قوام يصنعون كذا ) . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخاباً في الأسواق ، ولا يجزي بالنسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح )
وأما حسن عشرته وأدبه ، وبسط خلقه مع أصناف الخلق ، فما أجمل ما قال عنه الخضري في ذلك ن ولذلك أورده هنا حيث قال : " فمما انتشرت به الاخبار الصحيحة ، قال علي ، صلى الله عليه وسلم ـ كان عليه الصلاة والسلام أوسع الناس صدراً ، وأدق الناس لهجة ، وألينهم عريكة ، وأكرمهم عشرة ، وكان عليه الصلاة والسلام يؤلفهم ، ولا ينفرهم ، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ، ويحذر الناس ، ويحترس منهم ، من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره ، ولا خلقه ، ويتفقد أصحابه ، ويعطي كل جلسائه نصيبه ، ولا يحسن جليسه أن أحداً أكرم عليه منه .. قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أباً ، وصاروا عنده في الحق سواء .. وكان دائم البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ولا غليظ ،ولا صخاب ن ولا فحاش ، ولا عياب ، ولا مدا خ ، يتغافل عما يشتهي ، قال تعالى : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ف) [ آل عمران : 159] وكان عليه الصلاة والسلام يجيب من دعاه ، ويقبل الهدية ، ولو كانت كراعاً ، ويكفي عليها ، وكان يمازح أصحابه ، ويخالطهم ، ويحادثهم ، ويعود المرضى في أقصى المدينة ...
وقال أنس : ما التقم أحد أذن النبي يحادثه فنحى رأسه ، حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه ، وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخر ، وكان يبدأ من لقيه بالسلام ، ويبدأ أصحابه بالمصافحة ، لم ير قط ماداً رجليه بين أصحابه حتى يضيق بهما على أحد ، يكرم من يدخل أصحابه ، ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمه لهم ، ولا يقطع على أحد حديثه ... وكان أكثر الناس تبسماً وأطيبهم نفساً .
وعندما تستعرض شمائله وصفاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ تبرز صفة الرحمة التي وهبها الله له ، تلك الرحمة التي شملت كل من سمع به ، فقد أرسله الله تعالى رحمه للعالمين ، وقد انقسمت رحمته إلى قسمين : قسم عامل شامل يظهر في موقفه مع جبريل ـ عليه السلام ـ يوم أن كذب به قومه ، فقال له جبريل : " إن الله ـ تعالى قد سمع قول قومك إليك ، وما رجوك عليه ، وقد أمر ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداه ملك الجبال وسلم عليه ، وقال : " مرني بما شئت أن أطبق عليهم الأخشبين " فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( لا بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً ) ، وكان هذا مظهر من مظاهر الرحمة المحمدية العامة .
وأما القسم الثاني : فهو الحرمة الخاصة ، التي كانت دلائلها واضحة في موقفه مع الأعرابي الذي جاء يطلبه فأعطاه ، ثم قال له : " هل أحسنت إليك ؟ قال الإعرابي : لا ، ولا أجملت فغضب المسلمون لمقالته ، وقاموا إليه ليضربوه على سوء أدبه مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأشر إليهم أن كفوا ، ثم قام فدخل منزله ، وأرسل إلى الإعرابي وزاده شيئاً ، ثم قال له " أحسنت إليك ؟" قال : نعم ، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً ، فقال له الرسول ـ صلى الله عليه وسلم " إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي من ذلك شيء ، فإن أحببت فقل بين أيدهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك " ، قال : نعم فلما كان الغد أو العشي جاء فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدنا فزعم أنه رضي أكذلك ؟ " قال : نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً ، فقال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ " مثلي هذا مثل رجل له ناقة شردت عليه فأتبعها النسا فلم يزدها إلا نفوراً فناداهم صاحبه ، خلوا بيني وبين ناقتي ، فإني أرفق بها منكم وأعلم ، فتوجه لها بين يديها فأخذ لها من قام الأرض فردها حتى جاءت واستناخت ، وشد عيها رحله واستوى عليه ، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال ، فقتلتموه دخل النار .
ولقد عظمت هذه الرحمة في قلبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، كيف لا ؟ وما كان الذي أرسله ربه رحمة للعالمين إلا أن يرحم ، ولكن كان لها في قلوب الناس من أثر ، ولكم وجد أولئك من تلك الرحمة من خير وسعة .
ولم تكن رحمة ـ عليه الصلاة والسلام ـ خاصة بالناس ، بل تعدي ذلك إلى ما كان حوله من حيوان وجماد ، ومنها مواقفه مع الجذع الذي حن لفرقه بعد أن كان يخطب عليه ، فلما استبدلوه بمنبر حن الجذع كما جاء ، فقد قال جابر ابن عبد الله : كان المسجد مسقوفاً على جذوع نخل ، فكان ـ عليه الصلاة والسلام ـ إذا خطب يقوم إلى جذع منها ، فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتاً كصوت العشار ، عند أنس : حتى ارتجع المسجد لخواره ، فجاء الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فوضع يده عليه فكست ، وقد زاد غيرة فقال ـ صلى الله عليه وسلم إن هذا بكى لما فقد من الذكر ، والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزناً على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومما اتصف به ـ صلى الله عليه وسلم ـ من صفات الخير الوفاء ، وحسن العهد ، وصلة الرحمن ، والشواهد على هذه الصفات كثيرة يمكن أن نستعرض منها ما يلي : ـ
1- من دلائل وفائه ما كان له مع عبدالله بن الحماء قال ك بايعت النبي ، صلى الله عليه وسلم ـ بيع ، قبل أن يبعث ، فإذا هو في مكة ، فقال : ( يا فتى لقد شققت علي ، أنا هنا منذ ثلاثة أنتظرك ) .
2- حدثت عائشة ـ رصي الله عنه ـ قالت : " ما غرت من أمرأة ما غرت من خديجة ، لما كنت أسمعه يكذهرا ، وإن كان ليذبح الشاة فيهديها إلى خلائلها ، وأستأذنت عليه اختها فارتاح إليه ودخلت امرأة فهش لها ، وأحسن السؤال عنها فلما خرجت ، قال " إنها كانت تأتينا أيام خديجة ن وإن حسن المعهد من الإيمان "
3- حافظ الحبيب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ على صلة الأرحام ، وقد نال رحمه بكثير من الوصال والعطاء ، ومن ذلك أنه كان يبسط رداءه لامرأة تزوره ، فسئل عن هذه المرأة ، فقيل : أمه من الرضاعة ، ومن ذلك صلته بنته أمامة بنت زينت ـ رضي الله عنها ـ ، فكانت يحملها على عاتقه وهو يصلي ، فإذا سجد وضعها وإذ قام حملها فى عاتقه ، وكان يبعث إلى ثويبة مولاه أب يلهب مرضعته بصلة وكسوة .
ولقد اجتمعت جملة هذه الصفات ، واتضحت في مشهد خديجة له يوم أن عاد إليها يرجف مما شاهد وسمع في غار حراء ، حين قلت : ( كلا ، والله لا يخزيك الله أبداً ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ) .
وبعد هذا ، فلقد كان لجملة هذه الصفات أثرها البالغ في حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحبه ، الذين وجدوا فيها ما وجدوه من حسن صحبه ، وكرامة ف ضل ، في زمن الغربة والألم والضيم ، ومن التشرد والخوف والوجل ، بل كان لهذه الصفات أثرها فيمن سمع به ، وشاهده ، وجلس إليه ، وآمن هادياً ويشيراً .
زيتونة القدس
09-02-2009, 05:44 AM
الفصل الثانى
مما قيل في خلقه وحسن معاملته
عندما يتحدث المتحدث عن تلك الخصال الحميدة التي وهبنا الله نبيه ، يبقى الحكم الفاصل في كل ذلك لأولئك الذين عايشوه ، وتشرفوا بصحبته ، والذين شملتهم حسن معاملته ، وطيبة نفسه ، ورأفته ورحمته ولذلك وصفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ونقلوا وقائع حياته ، وغالبية مواقفه اليومية ، التي كانت ملئية بصفات الكمال النبوي ، ولأجل ذلك كان لزماً لمن تكلم عن معاملته ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن ينقل ما قاله أصحابه وأهله عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ووقع ذلك كله في نفسه .
ومن العجيب أن كرمه وطيبته ، وحسن تعامله نال البعيد ، فكيف بالمقربين من أهل بيته ، وأصحابه ، ولندع الحديث لهم لينقلوا شيئاً من سمات الحسن النبوي ، الذي أزهر قرناً من أعظم القرون ، وقوامه الحب والألفة التي وضع أساسها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
وليكن الكلام حب رسول اله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتي نقلت الكثير عن حياته ، وحسن تعامله ، فعنها رضي الله عنها ـ قالت : ( ما ضرب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيده شيئاً قط ، لا عبداً ولا ا مرأة ولا خادماً ،إلا أن يجاهد في سبيل الله ، ولا نيل منه شيئ فينتقم من صاحبه إلا أن يًنتهك شيء من محارم الله ، فينتقم لله عز وجل )
وقالت : ( ما خير رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين أمرين إلا أخذا ايسرهما مالم يكن إثماً ) .
وقالت : ( كان خلقه القرآن يرض لرضاه ، ويسخط لسخطه ) .
وفي شجاعته وإقدامه ـ صلى الله عليه وسلم ـ يروي أنس بن مالك ليلة في المدينة ، فيقول : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أحسن الناس ، وكان أود الناس ، وكان أشجع الناس ، ولقد فزع أهل ا لمدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت ، فتلقاهم رسول الله راجعً ، وقد سبقهم إلى الصوت ، وهو على فرس لأبي طلحة عري في عنقه السيف ، وهو يقول : لم تراعوا لم تراعوا ، قال : وجدناه بحراً أو أنها البحر ) .
وفي شجاعته تحدث على بن أبي طالب قال : ( لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسوله الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان أشد الناس باساً ، وفي عزوة هوازن لما فر هوازن لما فر جمهور أصحابه يومئذ ثبت وهو راكب بغلته ، وهو بنوه اسمه الشريف يقول : أنا النبي لا كذب ، انا ابن عبد المطلب وهو مع ذلك يركضها إلى نحو الأعداء .
أما في حسن المعاملة ، فقد قال أنس بن مالك الذي خدم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ " خدمته في السفر والحضر ، والله ما قال لي لشيء صنعته لم صنعت هذا كذا ؟ ولا لشيء لم أصنعه لم لم تصنع هذه هكذا ؟ ، وعنه ايضاً قوله : خدمت رسول الله تسمع سنين فما أعلمته قال لي قط : لم فعلت كذا وكذا ؟ ولا عاب علي شيئا قط . وعنه أيضاً : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أحسن الناس خلقاً ، فأرسلني ويوماً لحاجة ، فقلت : والله لا أذهب ، وفي نفسي أن أهذب لما أمرني به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق ، فإذا رسول الله قد قبض بقفاي من ورائي ، قال : فنظرت إليه وهو يضحك فقال : يا أنيس ذهبت حيث أمرتك ؟ فقلت ك نعم أنا أهذب يا رسول الله .
وعنه أيضاً : فما أمرني بأمر فتوانيت عنه أو ضيعته فلا مني ، وإن لا مني أحد من أهله إلا قال : ( دعوه فلو قدر ـ أو , قال قضى ـ أن يكون كان ) .
وأما في جانب الزهد في الدنيا وما فهيا ، فقد أوردت عائشة الكثير من الكلام في ذلك ، حيث إن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد فتح الله له الفتح ، وسيقت له الدنيا بحذافيرها إلا أنه رفضها ، وأبى أن يأخذ منها ، ولذلك مات عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونه عند يهودي في نفقة عياله ، وقد قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ تتحدث عن بيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما شبع عليه الصلاة والسلام ثلاثة أيام تباعاً من خبز حتى مضى لسبيله ، وما ترك عليه الصلة والسلام ديناراً ولا درهماً ، ولا شاة ولا يعبراً ، ولا مات وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رفٍ لي ، وقد قال لي : إني عرض علي أن تجعل لي بط حاء مكة ذهباً فقلت : لا يارب أجوع يوماً وأشبع يوماً ، فأما اليوم الذي أجوع فيه فاتضرع إليك وأدعوك ، وأما اليوم الذي أشبع فيه فاحمدك وأثني عليك ، ثم قالت : إن كنا آل محمد لنمكث شهراً ما نستوقد ناراً ، إن هو إلا التمر والماء .
وختاماً : فما كان للسان أن تتكلم بما تقول إلاجراء ما رأت وشاهدت ، ولقد كانت حياة الحبيب المصطفى كلها لذة لا تنتهي ، فطاب العيش فيها ، واب الحديث عنها ، ورأى اصحابه وأهله فيه حديثاً شقياً لا يفترون من ذكره ، والكلام عنه ، فترنمت بذكره الشفاه ، وطاب به الحديث .
فعليه صلاة وسلام ما ذكرته الألسن ، وغردت به الشفاه .
زيتونة القدس
09-02-2009, 05:45 AM
الفصل الثالث
مكانته عند قومه في الجاهلية والإسلام
لا يخفي على كل متطلع لسيرة الحبيب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما كان له من مكانه وقدر في قومه أيام الجاهلية وبعد الإسلام ، وذلك لما كان يحلم من صفات حميدة ، وسجاياً كريمة ، ولذلك أثرت معاملته فيهم ، وساعدت في نشر هذا الذين وإظهار كلمته ، ولق بدأت تلك الظواهر جميعها من قبل مبعثه ، وإرساله للناس ، فلقد كان عليه الصلاة والسلام الأمين المحبوب في الجاهلية والإسلام ، يعتدون براية ، ويقفون عند كلامه ، ولعل في وضع الحجر الأسود أوضح دليل على ذلك ، فعندما أرادت قبائل العرب إعادة بنا الكعبة اختصمت في رفع الحجر الأسود ، ورأوا أن يحكم بينهم أول من يدخل عليهم ، فدخل عليه م رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ـ ( فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه ، وأمر كل فخذا أن يأخذ بطائفة من الثوب ، فرفعوه وأخذه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فوضعه ) .
هكذا كانت منزلته قبل أن تمازج الهداية قلبه ، فكيف بعد أن أصبح هادي البشرية ، إما الإنسانية ، وقد نزع الله من قلبه الجسد ، والحقد ، والغل ، ويراه من النواقص والعبيون ، وذلك في حادثة شق الصدر الشهيرة ، التي أظهرت بجلاء طهارته ـ عليه الصلاة والسلام ـ وانتقائه من كل ما يعيب ، فهاهي حليمة السعدية مرضعته تتحدث عن أثره ـ عليه الصلاة والسلام ـ في كل جوان بالحياة المحيطة به ، وكيف تنصل من شعث الدنيا وحبها ، تقول : ( قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد ، وما أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها ، فكانت غنمي تروح علي حين قومنا به معنا شباعاً لبناً ، فتحلب ونشرب ، وما يجلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم ، ويلكم أسحروا حيث يسرع راعي بنت أب ذويب ، فتروح أغنامهم جياعاً ، ما تنبض بقطرة لبن ، وتروح غنمي شبعاً لبناً ، فلم نزل تتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه ) .
ثم كانت تلك النفس الزكية على موعد كهر ونقاء آخر ، تقول مرضعته .
( وبعد مقدمنا بأشهر وإنه لفي بهم لنا مع أخيه خلف بيوتنا ، إذا أتانا أخوه يشتهد فقال لي ولأبيه : ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه ، قالت فخرجت أنا وأبو قفلنا له : مالك يا بني ؟ قال : جاء لي رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني وشقا يطني فلتمسا فهي شيئا لا أدري ما هو فرجعنا به إلى خبائنا ) .
فإذا كانت شخصيته عليه الصلاة والسلام قد جمعت البركة والخير في الظاهر ، ولاصفاء والنقاء في الباطن فكيف لنفوس عرفته ، وعيون نظرته ، أن تتأخر عن الإيمان به ؟ أما إن تلك السمات المحمدية ، والتعاملات النبوية جرت في نفوس رجال ذلك العصر مجرى عظيماً ، كانت نتائجها حب وإخلاص وولاء.
زيتونة القدس
09-02-2009, 05:48 AM
الفصل الرابع
أساليب معاملته صلى الله عليه وسلم في نشر دعوته 1
اختلفت الأساليب التي كان يتعامل بها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بسب اختلاف الطبائع والطبقات ، وكان من أسباب نجاح دعوته ، هو توفيقه في اختيار المناسب لكل موقف ، ومع ك شخص ، ويمكن إجمالي هذه الأساليب الدعوة فيما يأتي :
الأسلوب الأول : الدعوة الحكمية :
مهمة الأنبياء ـ عليه السلام ـ قائمة على أساس الدعوة إلى الله ـ وراء الدعوة الحكيمة ، قائمة على إحسان التعامل ، وجودة المفاهمة ، وهي واضحة عند الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أكثر من غيره ، فهو الذي آتاه الله صفات عليه من فصاحة لسان ، وجوامع كلم ، وطيبة نفس ، وحسن عمل ، ولقد كانت دعوته قائمة على المنهج القومي ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) [ النحل : 125] .
بينما رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جالس مع عدد من أصحابه في بيته ذات يوم ـ وفيهم عمران بن حصين ـ يقرأ عليهم القرآن وبيينه لهم ، وقد تعلمت القلوب والعيون به ، إذ بعمران بن حصين يلمح أباه من بعيد ،وغلام يمسك بيده ، ويقوده إلى بيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاح عمران : يا رسول الله ، هذا أبي قد جاءك ، وقد علمت أن قريشاً أرسلته إليك ، فادع الله له ، لعل الله يهديه إلى الحق ، فيسلم عليك يديك ، ويرتدي كيد قريش إلى نحوها ، وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعمران خيراً ، فاستبشر وتفاءل .
وأقبل الحصين يدب على الأر ض، كان شيخاً هرماً جاوز المائة ، وكانت قريش تعظمه ، فتبعه نفر منها توقيراً له وتبجيلاً ، ثم جلوسا قريباً من باب بيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسترقون السمع ، وينتظرون النتيجة .
ووصل الحصين إلى باب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاستأذن ثم دخل ، فرحب به النبي وبش في وجه ، ثم قال لأصحابه " أوسعوا للشيخ وأجلسه قبالته .
ولم يعباً عمران بدخول والده ، فلم يقم له ويأخذه بيده فيجلسه ، بل ولم يلتفت ناحيته ، ولحظ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك ، ولم يشعر حصين بوجود ولده في المجلس ، ورحب النبي بالشيخ ثانية ، وكلمه أطيب الكلام ، ثم أنصت وأصحابه يستمعون له ، وتكلم هو فقال : ما هذا الذي بلغنا عنك – يا محمد – إنك تشتم آلهتنا وتذكرها بسوء ، وتعيب حلوم الآباء والأجداد ، إن هذا لا يليق بك يا ابن أخي ، وأنت ابن عبد المطلب فقد كان أبوك حصينة وخيراً .. كان – والله – خيراً لقومك منك ، كان يطعمهم الكبد والسنام ، وأنت تريد أن تنحرهم ؟ وأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم – إن أبي وأباك في النار ، ودهش الحصين لهذا الجواب ، فجعل يقول : في النار ؟ في النار ؟ عبدالمطلب سيد قريش يصير إلى النار ؟ وما هذه النار يا ابن أخي ؟ وأخبره النبي أنها نار حامية باقية ، أعدها الله لمن يموت مشركاً به ، وشُغل ذهن الشيخ بهذه النار التي أخبره عنها النبي صلى الله عليه وسلم ثم عاد ليقول : والله ما سمعنا بهذه النار التي تخبرنا عنها يا محمد .. ثم التفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحصين وجعل يحاوره : -
ياحصين : كم تعبد من آله ؟
سبعاً : سنة في الأرض وواحداً في السماء.
فإذا أصابك الضر من تدعو ؟
الذي في السماء
فإذا هلك المال من تدعو ؟
الذي في السماء .
فإذا رغبت في خير من تدعو ؟
الذي في السماء
وختم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحوار القصير بقوله : يستجيب لك وحده ، وتشركهم معه .
أترك الستة واعبد الذي في السماء .
ولم يتركه صلى الله عليه وسلم في حيرته طويلاً ، فقال له : يا حصين : أسلم تسلم ، أما إنك لو أسلمت لعلمتك كلمتين تنفعانك ، وتسربت كلمات النبي صلى الله عليه وسلم إلى قلب الرجل ، وفعلت حجته فعلها في قلبه وعقله ، وأيقن أن ما يدعو إليه محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم حق ، وأن الشرك باطل وضلال ، وأشرق نور الإيمان في قلبه ، فالتفت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : إني أسلمت فما أقول ؟ فأجابه : قل " أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله " ونطق الحصين شهادة الحق ، ففرح النبي – صلى الله عليه وسلم – بإسلامه ، وابتهج هو وأصحابه ، وسُر عمران بإسلام والده أعظم السرور وقام إليه فجعل يقبل رأسه ويديه ورجليه ، وذرف دموع الفرح غزيرة ، وبوغت الشيخ الكبير بابنه فقال عمران : والله ما شعرت به حتى هذه الساعة ، فالحمدلله يا بني أن هداني لما هداك إليه من الحق .
ورأى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صنيع عمران بوالده ، فقد دخل مشركاً فما قام إليه ، ولا نظر جهته ، فلما أسلم قضى منه حقه ، وأدركته عليه الصلاة والسلام رقة ، فدمعت عيناه ونظر أصحابه إلى وجهه الشريف ورأوا الدمع تبلله ، وأدركوا على الفور معنى تلك الدموع الكريمة.
وقام الحصين من مجلسه يريد أن يخرج ، وقام له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه ،ومشى الرجل خطوات ثم توقف ، وكأنه تذكر شيئاً ، وقال النبي ، علمني الكلمتين اللين وعدتني .
فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ " نعم " قل " اللهم ألهمني رشدي ، وأعذرني من شرور نفسي " ، وأخذ عمران بيد والده ومشى به ، وقال النبي لأصحابه " قوموا فشيعوه إلى منزله" فقاموا رواء .
وخرج الشيخ الكبير من منزل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يقول بصوت عال يسمعه من حوله : الحمد لله الذي هداني لدينه الحق ، اللهم ألهمني رشدي ، وأعذني من شرور نفسي .
ووسط هذه الهالة من القادمين عليه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ممن ينكرون الدعوة ويحاولون النيل منها وممن يسألون عنها ، ويحاولون الاستزادة فيها أصبحت المواقف تحتاج إلى صبر ، وحسن تدبير ،وهنا تظهر الدعوة الحكيمة منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولقد ظهر ذلك واضحاً جلياً في مواقف دعوته خاصة مع العرب البد والذين جمعوا الجلافة والصعوبة ، ولم يكن لهم أن يتساهلوا في نقاشه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومع ذلك ساسهم ، فخرجوا دعاة في كل الأصقاع .
زيتونة القدس
09-02-2009, 05:49 AM
ومن ذلك ما أورده البخاري في صحيحه حيث قال : ( حدثنا عبد الله ابن يوسف ، قال : حدثنا الليث بن سعيد هو المقبري عن شريك بن عبدالله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك يقول : بينما نحن جلوس مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المسجد ، دخل علينا رجل على جمل فاناخه في المسجد ثم عقله ، ثم قال لهم : أيكم محمد ، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ متكئ بين ظهرانيهم ، فقلنا : هذا الرجل الأبيض المتكئ ، فقال الرجل للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إني أسائلك بربك ورب من قبلك أألله أرسلك إلى الناس كلهم ؟ فقال : اللهم نعم " أنشدك بالله أالله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة ؟ قال : اللهم نعم ، قال : أنشدك بالله أالله أمرك أن نصوم هذا الشهر في السنة ؟ قال : اللهم نعم ، قال أنشدك بالله ألله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا ؟ فقال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : اللهم نعم ، فقال الرجل : آمنت بما جئت به ، وأنا رسول من ورائي من قومي ، وأنا ضمام بن ثعلب ، أخوبين سعد بن بكر ).
وفي هذا الحديث تظهر حكمته ـ عليه الصلاة والسلام ـ في استقطاب المدعون ، وإتاحة الفرصة التي يمكن للداعي من خلالها استجلاب المدعو ، واستغلال المداخل المساعدة في إقناعه .
أثر معاملته ـ عليه الصلاة والسلام ـ بهذا الأسلوب .
لو تأمل الإنسان هذين الموقفين المختلفين من حيث النية والتوجه ، ( فالحصين أتى يرده عن وضمام أتيى يتعرف الدين ويتعلمه ) للاحظ قدرة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ في التحكم في الأسلوب ، وحسن المعاملة التي كسب من خلالها أثنين لهما اسمهما وقدرهما في الفضل والمكانة ، حيث يظهر أثر معاملته ، عليه الصلاة والسلام ـ في عدة صور منها : ـ
1- ترحيبه بالحصين والابتسامة في وجهه ، مع أمرة ـ عليه الصلاة والسلام ـ لأصحابه " أو سعود للشيخ " ثم إجلاسه له ومقابلته ، وهذه فيها ما لا يخفي من حسن الاستقبال ن الذي أعطى للشيخ إحساساً بالقدرة ،وسلطة على الكلام ، واستعظام للرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ
2- تكرار الترحيب بالحصين من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع تكليمه بأطيب الكلام ، وإنصاته لكلام الشيخ ، كل هذه دوافع أجبرت الشيخ الصحين على حسن اللفظ واحترام المكان ، وهذا يظهر بوضوح في كلام الحصين حين قال " إن هذا لا يليق بك يا ابن أخي ، وأنت ابن عبد المطلب " ولم يكن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعهد ذلك من كفار قريش ، فلقد كانوا يتبارون ويسارعون في أذيته وشتمه ، وفي ذلك أنزل الله آيات كثيرة ، من أعظمها قرآن يتلى إلى يوم الدين ( تبت يدا أبي لهب وتب ) [ المسد: 1] .
وسبب نزولها كما يروي ابن عباس ، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى " يا صباحاه " ، فاجتمعت إليه قريش ، فقال :" أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم ، أو ممسيكم أكنتم مصدقي ؟ قالو " نعم ، قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " فقال أبو لهب : ألهذا جمعتنا؟ تباً لك ! فأنزل الله ( تبيت يدا أبي لهب وتب ) إلى آخرها ، وفي رواية " فقام ينفض يديه وهو يقول : تبا لك سائر اليوم الهذا جمعتنا ؟ فأنزل الله " ( تبت يدا أبي لهب وتب ) .
أما في مواقفه مع الحصين ، فقد تغير الحال ن وتحسن اللفظ ، لحسن معاملته لهم .
3- تظهر حكمة الداعي في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يا حصين إن أبي وأباك في النار " حيث أظهر ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن أعمال الجاهلية الطبية الشريفة لا تنفع صاحبها إن قامت على الشرك ،ولتتساوى المواقف ، فلا فرق بينهما من حيث النسب الذي ينتهي في جهنم ، ولذلك فكر الحصين ملياً في النار .
4- أسلوب النقاش والحوار الذي ظهر بن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والحصين يظهر عدم فرض الدين فرضاً ، بل أعطى الحصين فرصة ليشهد على نفسه ، ويظهر ما يكون ، فلقد عبد الستة وهما ؛ لأن المعبود في الشدائد والكربات الذي في السماء فقد أجاب عن نفسه ، ليعترف بجهله ، فكان الحل الأوحد ، والناتج الأخير " أترك الستة واعبد الذي في السماء " .
5- من أثر المعاملة المحمدية على الحصين إغفاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لموقف عمران من والده قبل إسلامه ، ومن ثم التأثر بعد إسلامه ، فما أسرع الدموع حين تعانق الولد ووالده وتصافحا وهما مسلمان ، ثم التشييع والوداع ، وحث الناس على ذلك " قوموا فشيعوه إلى منزله " .
6- وفي موقفه ـ صلى الله عليه وسلم ـ تظهر آثار المعاملة في حكمة وبراعة الداعية ،فما كان منه وهو الرحيم المشفق أن يغتاظ أو ينفعل ، مع شدة السؤال ، وتضييق السائل في المسألة ، خاصة وقد أعلن السائل التشديد " إني سائلك ومشدد عليك " ، فلم تلبث تلك البراعة أن تنقلب نصراً وعزاً " آمنت بما جئت به ، وأنا رسول من ورائي من قومي " .
ومما سبق يتضح أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد كسب النفوس بحسن معاملته لهم من خلال حكمته في دعوته ، واستخدام ما يناسب الموقف والمقام ، مما حدا بالنفوس أن تنصاع إليه راغبة ، وتنساق إليه أرضية .
الأسلوب الثاني : الممازحة والمداعبة :
حبا الله تعالى رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأفة ورحمة ، وجعلت منه أنموذجاً في حبه الخير للناس ، وسعية ـ الجاد ت أن يكون الناس كلهم مهتدين ، ولذلك أرتفعت عنده نفسه البشرية ، فتواضع لأصحابه ومازحهم ، وأردفت ذلك كله بمازح إلا بحق ، فلم يكن كذاباً فاحشاً ، بل كان مازحاً محقاً ، وقد أستطاعت هذه السمة أن تفعل في اصحابه الأفاعيل ، وأن تكسبه حباً في قلوبهم ، جعلت نفوسهم تتشرف بمازحته ومداعبته .
أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوماً بيته فاخبره أهله أن زاهراً قد قدم من البادية ، وأنه قد أهدى إليهم ، فخرج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى سوق المدينة ليراه ، فوجده يبيع متاعاً له ، فأتاه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصر ، ونادى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أصحابه مازحاً : " من يشتري العبد ؟ من يشتري العبد ؟ " وقال زاهر : يا رسول الله إذاً ـ والله ـ تجدني كاسداً ـ ولكن النبي الرحيم الكريم يجيبه مطيباً خاطرة : " ولكنك عند الله لست بكاسد !! إنك عند الله غال !! . وفي هذا الموقف مع زاهر الأشجعي يظهر ( كمال الخلق ، وحسن الصحبة ،وطيب المخالطة مالا يزيد عليه ) ، ولكون الحبيب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ رسولاً عاماً ن فإن مزاحه لم يخص الشباب ، أو الرجال ، بل تعداه إلى ممازحة المؤمنات الأتي لا يتوانين في البحث عن كل ما يسعدهن في الدنيا والآخرة ، فكم هي الفرحة عندما يأتي البلاغ بالجنة مخالطات للممازحة النبوية الشريفة ، فقد حدث الحسن البصري ـ رحمه الله ـ فقال : أتت امرأة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالت : يا رسول الله ، أدع الله لي أن يدخلني الجنة ، قال :" يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز : فولت العجوز تبكي ، فقال : أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز ، فإن الله تعالى يقول : ( إنا أنشأنهن إنشاء * فجعلناهن أبكارً ) [ الواقعة : 35 ـ 36 ] .
زيتونة القدس
09-02-2009, 05:50 AM
وحدث أن امرأة جاءت تسأل عن زوجها فقال لها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ " زوجك الذي في عينيه بياض ، فبكت وظنت أن زوجها عمي ، فأعلمت أن العين لا تخلو من البياض ، فكانت مداعبته كمداعبته ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يقول في مزاحة إلا حقاً ) .
وإن المتبع لسيرته يلحظ بجلاء كثرة هذه المواقف في حياته ـ صلى الله عليه وسلم ـ منها موقفه مع من طلب أن يستحمله على البعير ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومع صاحب الأذنين ، ومع أنجشة ، إلى غيرها من أسلوبه في استجلاب الناس إليه ، وتحبيبهم في هذا الدين .
أثر معاملته ـ عليه الصلاة والسلام ـ بهذا الأسلوب:
لا يخفى أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مشرع ، يظهر للناس ما يجوز في الدين وما لا يجوز ، وكأنه بهذه المواقف الدعابية أجاز للناس ، واستحسن المزاج ما دام أنه في مسالك الحق ، مع ما يضفيه مزاحة ذلك من الغبطة والسرور على أصحابه وأطفالهم ، مع عظمي قدره ، وعلو مكانته ، فهو برسم بذلك صورة للقائد الإمام الذي يملأ جنبات مجتمعه بالألفة والقربة والسرور .
ومن خلال الإطلاع على جملة هذه المواقف المختلفة منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ تظهر لنا عدة أمور في أثر هذه المعاملة في نشر دينه ، وإبلاغ رسالته منها :
1- تحبيب القلوب فيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد أحبته وتشغفت به ، وتشرفت بذلك ، ولقد ظهرت تلك الصورة في موقفه مع زاهر الأشجعي ، وذلك عندما علم زاهر بأنه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث لم ( يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذا منتهى الحب وغايته ) .
2- سرورهم وفرحهم بمزاحه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم يولد ذلك في قلوبهم له إلا إعظاماً وإجلالاً ، فما كانت لنفوسهم أن تغضب أو تزدري ذلك منه ، بل سرت به أعظم السرور فيا ترى كيف تكون حال تلك العجوز عندما تعلم أنها تدخل الجنة عذراء ن وأن ذلك أتى من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أعظم بشارة ، وعلى أحسن حال .
3- تأثرهم السريع بكلامه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلقد كانت ألفاظه تحرك قلوبهم قبل أن تحرك أجسادهم ، وذلك لما علموا عنه من الحرص عليهم ، وسعيه في أن يقودهم إلى ما فيه خيرهم دين ودنيا ، ولقد أبكى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ العجوز ، وزوجه الرجل عندما أخبرهم بالحق الذي يراه ، مما يصور انقيادهم ، وطيبة نفوسهم ، وخوفهم من الله ، وإيمانهم بحكمه وقضائه .
إنهم يستحقون أن يكونوا خير القرون ؛ لأنهم أحبوه ، واستجابوا له ، وعاصروه ، وكانوا قدوة في الحب لقائدهم ، والإ صغار له ، والسعي الحثيث في تحقيق ما يسعدهم ، ويرضى نبيهم ، ويرفع قدر مجتمع أساسه علم وعمل .
الأسلوب الثالث : الاعتذار وتطييب الخاطر :
امتزجت في شخصية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ جملة من الصفات والخلايا التي كانت فيه سجية ، أو ازدادت وظهرت مع بنوته ومبعثه ، ولقد كان لزاماً على من كان في موقف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن تحصل له المواقف المتعددة المختلفة لما كان يجده من قومه المقربين ن وأنصاره المهاجرين ، ولأن الإنسان بطبيعته يجب تملك الأشياء ، في لحظة دنيوية ، يقومها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مرحلة تشريع من مبعثه حتى وفاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن كثيراً من أحكامه وآرائه قد لا تناسب البشر لأنهم بشر ، أما هو فإنه مبعوث مرسل مشرع ، وبالرغم من ذلك فإنه لا يلبث أن يعود إلى الناس فيوضح لهم ويبين ، بل ويجد الحلول والبدائل ، فتطيب النفس بذلك وتطهر .
جلس علي بن أبي طالب ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد يوم حافل بالتعب إلى زوجه فاطمة بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجعل يبثها شكاته مما يلقاه من استقاء الماء من الآبار لبعض أهل المدينة علىأجر ن وقال لها : يافاطمة ، والله لقد استقيت سنوات حتى اشتكيت صدري ن ولقد جاء الله أباك بسبي ، فأذهبي إليه ، وأطلبي منه يهبنا خادماً يعيننا على شؤون عيشنا ، ويعمل لنا فننتفع بكسبه ، ويستقي لنا الماء نحتاج إليه .
وأثارت شكاة علي شكاة كانت حبيسة في نفس فاطمة ، فقالت هي الاخرى : وأنا والله لقد طحنت حتى مجلت ( ثخنت ) يداي ، فيا ليته يكون لنا خادماً يكفينا بعض شؤوننا .
وقال علي ثانية : قومي إذاً إلى أبيك فاستخدميه ، ولا تضيعي هذه الفرصة ، وخرجت السيدة فاطمة من بيتها ، ودخلت حجرة والدها القريبة من بيتها ، وسلمت عليه ، ثم همت أن تكلمه في الأمر الذي جاءت من أجله ، ولكن الحياء عقد لسانها ، وقرأ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في وجه ابنته أنها جاءت لحاجة تريدها ، فقال لها : " ماجاء بك أي بنية ؟ " ، فاجابت : جئت لأسلم عليك ، ولم يرد النبي إحراجها ، فمكثت قليلاً ثم عادت إلى زوجها الذي كان ينتظرها بفارغ الصبر ، وبادرها على : ما فعلت يا فاطمة ؟ وأجابت : أستحييت أن أسأله ، وقال علي : ما أراك ـ والله ـ أغنيت عنا شيئاً ! فقالت فاطمة : ألا تقوم معي إلى والذي فنسأله جميعاً ؟ وأجاب علي : نعم.
وصلا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتكلم علي فقال : يا رسول الله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري ، وتشجعت فاطمة فتكلمت هي الأخرى ، وقالت : وأنا قد طحنت حتى مجلت يداي ، وقد جاءك الله بسبي وسعة فاخدمنا .
ونظر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى ابنته وصهره نظرة حنان وإشفاق ودخله الحزن لما بهما لكنه تذكر حال أصحابه وجيرانه من أهل الصفة ، فذكر جوعهم ، وذكر عربهم ،وشدة عيشهم ، ذكر تحملهم الشدائد العظيمة في ذات الله تعالى ، وحباً لرسول الله ، ورغبة بهذا الدين الذي آمنوا به واعتقدوه ، ورأى أن هؤلاء أحق بالعطاء من ابنته وصهره ، فنظر إليهما وقال لهما: " لا والله لا أعطيكم وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع ، لا أجد ماأنفق عليهم ، ولكن أبيعهم عليهم أثمانهم " وقفل علي وزوجه راجعين إلى ربيتهما ، من غير أن يحصلا على شيء ، وقبلاً عذر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد كان أهل الصفة أحق بالعطف منهم ، فعيشهم صعب ، ورسول الله يتألم لحالهم ، وهو يؤثر ببره ذا الحاجة ، ومن مسه الجوع قبل غيرهم ، ولا عجب في ذلك فمر بيهم محمد الذي علمهم على التراحم والترابط ، ومازج بينهم فجعلهم كالجسد الواحد ، الذي يؤثر بعضه على بعض .
لم تنته قصة علي وفاطمة ـ رضي الله عنهما ـ ، فقد عاد إلى منزلهما ، وأويا إلى فراشهما يريدان النوم ، ودخلا تحت قطيفة لها إذا غطت رؤوسها تكشفت أقدامهما ، وإذا غطت أقدامها تكشفت رؤوسها وإنهما لفي أول نومهما ، إذا برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستأذن عليهما ، فهما بالنهوض من فراشهما قال لهما : مكانكما .
وأقبل عليهما ـ عليه الصلاة والسلام ـ يعتذر إليهما ، ويطيب خاطرهما ، ثم قال لهما : ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم ؟ " فأجابا : نعم يا رسول الله ، فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : " تسبحان الله دبر كل صلاة ثلاثين ، وحمدانه ثلاثاً وثلاثين ، وتكبرانه أربعاً وثلاثين ، وإذا أخذتما مضجعكما من الليل ، فتلك مائة " . وطابت نفس علي وفاطمة بهذه الماساة النبوية وبهذا التوجيه الكريم ، وكان ذلك درساً بليغاً لهما ، وجعل علي من كلمات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورداً دائماً له ، وجد معه العون الكبير ، والقدرة على تحمل التعب الكثير .
إنما العظمة التي كانت عليها شخصية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي الرحمة القلبية التي شملت ذلك المجتمع الطاهر، فساوته وألفت بينه ، ولكم هي مؤثرة تلك الكلمات النبوية في صدور أصحابه ، وأثرها ظاهر فهي تنغرس وتثمر ثماراً يانعاً، في حياتهم ، وعصرهم المجيد ، فما زالت ذكراهم عبقاً ينتشر شذاه في كل الأرجاء .
زيتونة القدس
09-02-2009, 05:51 AM
أثر معاملته ـ عليه الصلاة والسلام ـ بهذا الأسلوب :
إذا تتبعنا موقفة ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع صحابته ـ رضوان الله عليهم أجمعين ، نلحظ أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن يتعمد في تصرفاته لأحد ، ولا يكمن له أن يوالي أحداً على أحد ، ولذلك أحبه أصحابه ، وليس ذلك فقظ ، بل لم يكن لأحد منهم أن يغتاظ من فعله ـ عليه الصلاة والسلام ـ لأنهم يعلمون بحكمته ودرايته للأمور ، وأنه لن يصدر إلا عن رأي سديد ، فيه نفع المسلمين ، ولأجل ذلك رضوا بأحكامه .
ولعل مما يلاحظه المتابع لقصته ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع علي وفاطمة ـ رضي الله عنهما ـ يجيد جملة أمور في معاملته ،كانت أثراً في نشر دعوته الخالدة منها :
1- الشفقة والحنان الذي غرسه الله في قلبه على عامه المسلمين ، فلقد أشفق على ابنته وصهره ، ولكن شفقته تعدت حواجز القرابة والنسب ، فقد أشفق وتذكر الصفة وأهلها من المؤمنين الموجودين الناصرين لدين الله ، فكانت رحمته وشفقته عامة لكل الناس ، وما أعظم وقعها في تدبيره ولأمور المسلمين ،
2- المساواة التي لا بد للحاكم المسلم أن يكون عليها ، فلم يكون لأحد أن يعاقب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا أعطاهما ما يريدان ، ولكنه قدم المستحق ، وهم أهل الصفة ، وقال : " والله أعطيكم وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع ، لا أعطيكم وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع ، لا أجد ما أنفق عليهم " .
3- اعتذاره وتطييبه خواطرهما ، والذي ترتب عليه نشر فضيلة عظيمة ، وقربة جليلة ، فقد كان في جلوسه عندهم بعد تركهم له ، وتركهما في مكانهما غير طالب منهما القيام أو الجلوس له تطييب لخواطرهما ، وإرضاء لهما ، ثم جاءت دعوته لهما بعد أن استقرت نفوسهما ، وطابت بوجوده ، وتواضعه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليوجه إليهما دعوته بلين ويسر ، فيقول : " ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم ؟ " فأجابا " نعم يا رسول الله ، قال : " تسبحان الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ، وتحمدانه ثلاثاً وثلاثين ، وتكبرانه أربعاً وثلاثين ، وإذا أخذتما مضجعكما من الليل ، فتلك مائة " .
4- أثر تلك الموعظة ، وعظم ذلك الموقف في حياة علي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فما زال علي يذكر ذلك الموقف ، ويستشهد به في حديثه ، ويحث الناس . عليه ، حتى أنه قال عن نفسه : " والله ما تركتهم منذ سمعتهن من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .. وقال له أحد أصحابه مازحاً : ولا ليلة صفين ؟
فأجابه أمير المؤمنين : " قاتلكم الله يا أهل العراق ،ولا ليلة صفين " .
موقف آخر في الاعتذار وتطييب الخاطر :
كان من حكمته ـ عليه الصلاة والسلام ـ في التعامل مع الناس أن يستطيب الأنفس بما يناسبها ويرضيها ، وقد ظهرت تلك الصورة واضحة في تقسيم الغنائم بعد غزوة حنين ، فقد كان من علمه أنه لا بد أن يلاطف القلوب ، فأسرع إلى المؤلفة قلوبهم فأعطاهم أول من أعطى ن فأعطى أبا سفيان ابن حرب أربعين أوقية ومائة من الأبل ، فقال : أبني يردي ؟ فأعطاه مثلها ، فقال : إبني معاوية ؟ فاعطاه مثلها ، وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل ، ثم سأله مائة أخرى فأعطاه إياها .. وأعطى آخرين خمسين خمسين ، وأربعين أربعين حتى شاع في الناس أن محمداً يعطي عطاء من لا يخاف الفقر .. وبعد إعطاء المؤلفة قلوبهم أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ زيد بن ثابت بإحضار الغنائم والناس ، ثم فرضها على الناس ، فكانت سهامهم لكل رجل أربعاً من الإبل ، وأربعين شاة ، فإن كان فرساً أخذ أثنى عشر بعيراً وعشرين ومائة شاة .
ولقد كانت هذه القسمة مبنية على سياسة حكيمة : ( فإن في الدنيا أقواماً كثيرين يقادون إلى الحق من بطونهم ، لا من عقولهم .. فكذلك هذه الأصناف من البشر تحتاج إلى فنون من الإغراء حتى تستأنس بالإيمان ،وتهش له ) .
أنتهت قضية توزيع الغنائم التي ظهرت فيها حسن معاملة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ للمؤلفة قلوبهم ، وحكمته في التوزيع ، الذي اشبع نفوسهم ، لتستجد أمام الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
قضية أخرى تحتاج إلى توفيق في الرأي ، ودراية في التعامل ، فقد روى ابن إسحاق ، عن أبي سعيد الخدري قال : لما أعطى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما أعطى من تلك العطايا في قريش ، وقبائل العرب ، ولم يكن من الأنصار منها شيء وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القالة ، حتى قال قائلهم : لقي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ماأعطى من تلك العطايا في قريش ، وقبائل العرب ، ولم يكن من الأنصار منها شيء وجد هذا الحي من الانصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القالة منها شيء وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القالة ، حتى قائلهم : لقي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قومه ، فدخل عليه سعد بن عبادة ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار شيء قال : فأين أنت من ذلك يا سعد ، قال : يارسول الله ما أنا إلا امرؤ من قومي ،قال : فاجمع لي قومك في هذا الحظيرة ، قال : فخرج سعد فجمع الناس في تلك الحظيرة ، قال فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا ، وجاء آخرون فردهم ، فلما اجتمعوا أتاه سعد فقال : قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار ، قال : فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فحمد الله ، وأثنى عليه بالذي هو له ، ثم قال : " يا معشر الأنصار ما قاله بالغتني عنكم ، وجدة وجدتموها في أنفسكم ، ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله ، وعالة فأغنكم الله ، وأعداء فألف الله بين قلوبكم ؟
قالوا : بلى الله ورسوله أمن وأفضل .
قال : ألا تجيبونني يا معشر الأنصار ؟ قالوا : وبماذا نجيبك يا رسول الله ؟ ولله ورسوله المن والفضل ، قال : أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتهم وصدقتهم ، اتيتنا مكذباً فصدقناك ، وفخذولاً فنصرناك ، وطريداً فآويناك ، وعائلاً فأغنيناك ، وأجدتم في أنفسكم ـ يا معشر الأنصار ـ في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا ، ووكلتكم إلى إسلامكم ، أفلا ترضون ـ يا معشر الأنصار ـ أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وترجعون برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رحالكم ، فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امراً من الأنصار ، ولو سلك الناس شعباً ، وسلكت الأنصار شعباً ، لسلكت شعب الأنصار ن اللهم أرحم الأنصار ، وأبناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار " قال : فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم ، وقالوا : رضينا برسول الله قسماً وحظاً ، ثم انصرف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتفرقنا ) .
ومن خلال هذين الموقفين يتضح لنا كيف انقلبت موزاين الغضب إلى رضا ، والانزعاج إلى حب وبكاء وولاء ، وكيف أعطي راغبي الدنيا من الدنيا فألف قلوبهم ، وأعطى أهل الآخرة فطابت نفوسهم ، وكسب الفريقين المهاجرين والأنصار ، وصاروا ـ جميعاً ـ يداً واحدة تدافع عن دين الله ورسوله ،
أثر معاملته ، عليه الصلاة والسلام ـ بهذا الأسلوب :
إن المتتبع لهذا الموقف النبوي الشريف ، يلاحظ جملة من الأمور الواضحة في حسن التعامل منها :
1- معاملته للمؤلفة قلوبهم ، فقد أعطاهم ما يستحقون ، ثم زاد كلما طلبه مستزيد ، وفي هذا أخذ كل على الطريق التي تناسبه ، واكتساب الود منهم ، وتطييب خواطرهم بصفتهم حديثي عهد بالإسلام .
2- كرم وسخاؤه وعطاؤه من غير من ، فلم يكسب نفسه من كل ذلك بشيء بل وضحها صريحة حيث قال : " والذي نفسي بيده لو كان عندي شجر تهامة نعماً لقسمته عليكم ن ثم ما ألفيتموني بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً " .
3- سعة صدره ـ عليه الصلاة والسلام ـ فما كان له أن يغضب من موقف الأنصار وهو الرحيم .
4- اعترافه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بفضل الأنصار ، بعد أن عرض فضل الله عليهم بنصرتهم له ، وكيف تغيرت أحوالهم به ، ومن ثم الاعتذار إليهم ، وإظهار أسباب تلك القسمة ، التي كان مبعثها ظاهراً في قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ :" وأجدتهم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا "، ومن ثم تطييب خواطرهم ، وجعل الهبة لهم نفس الحبيب الطاهر ، فهو المكسب ورأس المال .
الأسلوب الرابع : العفو والصفح النبوي :
شهدت سيرة الحبيب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ العديد من المواقف التي أظهرت عفوه عن المسيء ، وذلك لأنه لم يكن للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن ينتصر لنفسه أو أن ينتقم ممن اعتدى عليه ، وطالما أن أولئك الذين أخطئوا في حقه عادوا أو كانوا جاهلين فيها عملوا ، فإن الرسول الكريم لا يلبث أن يغض الطرف عما كان منهم ، خاصة أنهم قد ندموا على ما كان منهم .
ولعل المتتبع لمراحل الدعوة المحمدية ، وما مربها من مواقف للمشركين مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يلاحظ ما كانوا قد فعلوه به ، محاولين رده كما كان عليه من دعوة ، ولينفروا الناس منه ومن دينه ، ولقد يعجب الإنسان من خروج الرأفة والرحمة من قلوب المشركين ، خاصة الكبار منهم والصناديد ، ولعل من أشهر مواقف العداءلة ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( أن عتبه بن أبي لهب أتى يوماً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أنا أكفر بـ ( النجم إذاهوا ) وبالذي ( دنا فتدلى ) ، ثم تسلط عليه بالأذى ، وشق قميصه ،وتفل في وجهه ، إلا أن البزاق لم يقع عليه ، وحينئذ دعا عليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال : " اللهم سلط عليه كلباً من كلابك " ، وقد استجيب دعاؤه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد خرج عتبة مرة في نفر من قريش ، حتى نزل في مكان من الشام يقال له الزرقاء ، فطاق بهم الأسد تلك الليلة ، فجعل عتبة يقول : ياويل أخي ، هو والله آكلي كما دعا محمد علي ، قتلني وهو بمكة ، وأنا بالشام ، فغدا عليه الأسد من بين القوم ، وأخذ برأسه فذبحه .
ومنها ما ذكر أن عقبة بن أبي معيط وطئ على رقبته الشريفة ، وهو ساجد حتى كادت عيناه تبرزان .. وفي رواية البخاري عن عروة بن الزبير قال : سألت عمرو بن العاص أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : بينما النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصلي في حجرة الكعبة إذ أقبل عقبة بن معيط فوضع ثوبه في عنقه ، فخنقه خنقاً شديداً ، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه ودفعه عن النبي ، وقال : أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ) .
وفي أثناء ذلك الإصرار من صناديد قريش في قتله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أصر الرسول الكريم على أن يستمر في دعوتهم ،حتى لو ردوا إحسانه بالإساءة ، فازدادوا الأجل ذلك علوا واستكباراً ، وتمادوا في غيهم وظلالهم ، وضيقوا عليه في المعاملة والمعايشة حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت ، فخرج الرسول الكريم مهاجراً من بلد الكفر إلى بلد النصرة في المدينة المنورة ، ليعيش زمناً ثم يعود مرة أخرى إلى مكة ، لكنه لم يعد ضعيفاً كما خرج ، بل عاد تحمله إلى مكة تباشير النصر والفتح من الله العيظم ( إذا جآء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً ) [ النصر : 1،2 ]
زيتونة القدس
09-02-2009, 05:52 AM
تابع لما تبقى من أساليب دعوته صلى الله عليه وسلم في نشر دعوته
وفي أثناء ذلك الإصرار من صناديد قريش في قتله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أصر الرسول الكريم على أن يستمر في دعوتهم ،حتى لو ردوا إحسانه بالإساءة ، فازدادوا الأجل ذلك علوا واستكباراً ، وتمادوا في غيهم وظلالهم ، وضيقوا عليه في المعاملة والمعايشة حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت ، فخرج الرسول الكريم مهاجراً من بلد الكفر إلى بلد النصرة في المدينة المنورة ، ليعيش زمناً ثم يعود مرة أخرى إلى مكة ، لكنه لم يعد ضعيفاً كما خرج ، بل عاد تحمله إلى مكة تباشير النصر والفتح من الله العيظم ( إذا جآء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً ) [ النصر : 1،2 ] فعاد من جديد ليسير على أرض مكة من جديد :
إن الشريد الذي قد كان يظلمه ...... ذوو قرابته قد عاد فانتصفا
رد الظلامة في رفق وإن عنفوا ...... ولو يشاء إذا لاشتد أوعنفا
إن الرسول لسمح ذو مياسرة ...... إذا تملك أعناق الجناة عفا
شكراً محمد إن الله أسبغها ...... شكراً محمد إن الله أسبغها
وفعلاً عاد محمد إلي مكة التي شرده منها أهلها ، وأرغموه على الخروج منها بإذن الله ، وهي دار الأحباب ، والموطن الأم ، عاد ليجد القوم أمامه وقد ذلت وذهبت تلك الأنفة ، وذهبت تلك الأنفة ، وذهبت تلك القوة التي كانت تظلم وتتجبر وهناك ظهرت ملامح عفوه ـ عليه الصلاة والسلام ـ بعد أن دخل مكة منتصراً .
عن قتادة السدوسي : ( أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قام قائماً حين وقف علىباب الكعبة ، ثم قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحدة ، ألا كل مأثرة ، أو دم ، أومال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانه البيت ، وسقاية الحاج ، ألا وقتيل الخطأ مثل العمد ، السوط والعصا ، وفيها الدية مغلظة مائلة من الإبل ، منها أربعون في بطونها أولادها .
يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء ، الناس من آدم ، وآدم خلق من تراب ، ثم تلا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) [ الججرات : 13 ] .
يا معشر قريش ، ويا أهل مكة ما ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا : خيراً ، أخ كريم وابن أخ كريم وابن أخ كريم ، ثم قال : أذهبوا فأنت الطلقاء ، فاعتقهم رسول الله وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنوة ، وكانوا له فيئاً فبذلك يسمى أهل مكة الطلقاء ) .
موقف آخر في الصفح :
كان من أعظم الموافق التي مرت على المسلمين وقعة أحد التي خسر فيها المسلمون أبطالاً عظاماً كان على رأسهم حمزة بن عبد المطلب ( أسد الله ) ، والذي كان عزا للإسلام وسنداً ، ولم يكن موته مؤلماً بقدر ما كان للمشركين من سطورة في الباطل ، فقد شوهوا حثث الشهداء المسلمين ، ومنهم جثة حمزة ابن عبد المطلب ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي مثلت بها هند بنت عتبة : ( وكذا اشتغلت نساؤهم بقتلى المسلمين ، يمثلون بهم ، ويقطعون الآذان والأنوف والفروج ، ويبقرون البطون ، وبقرب هند بنت عتبة كبد حمزة ، فلاكتها فلم نستطع أن تسيغها فلفظتها ، واتخذت من الآذان والأنواف خرماً ـ خلاخيل ت وقلائد ) .
كيف لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن ينسى هذا الموقف لهند ، التي تمادت بها ظلاله الجاهلية ، فشوهت ومثلث بجثث المسلمين الشهداء ، ولكن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأخذ بان التوبة تجب ما قبلها ، وأن الإسلام يجب ما قبله ،وهذا ما كان منه ـ عليه الصلاة والسلام ـ في يوم الفتح ، بعد أن بدأ الناس يبايعون مؤمنين بالله ، مقرين بدينه ، فقد اجتمع إليه ( نساء من نساء قريش ، فيهن هند بنت عتبة ، متنقبة متنكرة لحدثها وما كان من صنيعها بحمزة ، فهي تخاف أن يأخذها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحدثها ذلك ، فلما دنون منه ليبايعنه قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " تبايعنني على الا تشركين بالله شيئاً .. " فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " وانك لهند بنت عتبة " فقالت : أنا هند بنت عتبة ، فاعف عما سلف عفا الله عنك ! قال " ولا تزنين قالت : يارسول الله ، هل تزني الحرة ؟ قال : " ولا تقتلن أولادكن " ، قالت : قد ربيناهم صغاراً ، وقتلتهم يوم بدر كباراً ،فأنت وهم أعلم ! فضحك عمر بن الخطاب من قولها حتى استغرب ) وفي رواية : ( فقالت ربيناهم صغاراً ، وقتلتموهم كباراً ، فأنتم وهم أعلم ـ وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر ـ فضحك عمر حتى استلقى فتبسم رسول الله . ولما رجعت جعلت تكسر صنمها وتقول : كنا منك في غرور ) .
لم يكن ذلك العفو ليكن من غير محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ـ ولم يكن له أن ينتصر لنفسه أو لحسبه أو نسبه، أو أن يأخذ بدم عمه ، أو حتى لعملها به موته ، بل جعل إسلام هند صفحة جديدة ، ونسياناً للماضي وعفواً نبوياً عظيماً ، مع استطاعته أن يأخذ بحق المسلمين من أعدائهم وقد أصبحوا في يده .
أثر معاملته ـ عليه الصلاة والسلام ـ بهذا الأسلوب
انبهرت نفوس المشركين في مواطن كثيرة من تلك النفس النبوية ،ومن تلك المعاملة المحمدية ، حتى ,عن كانت نفوسهم تكرهه وتبغضه ، إلا أنهم أقروا بفضيلة وكريم سجاياه ، ولا غرو في ذلك خاصة أنه قد أمنهم ، وأحسن إليهم برغم ما هم عليه ، وما زالت كلمته يوم الفتح " ( فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوانه " لا تثريب عليم اليوم " أذهبوا فأنتم الطلقاء ) تقرع آذانهم ،فعجباً لتلك النفوس ، وما أجمل تلك المعلمة
ومن خلال هذه المواقف للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمن أخطأ في حقه أوفي حق من له به قرابة ، أو بحق ما يتعلق به ، نجد جملة من الصور التي أظهرت براعته ، وحسن معاملته ـ عليه الصلاة والسلام ـ مع الناس على أختلاف أوضاعهم ، مما جعلهم يستجيبون له ، ولعظمة ما دعا إليه ، ودليل ذلك ( أن الجيش الإسلامي الذي كان قوامه عشرة آلاف مقاتل في غزوة الفتح ، إذا هو يزخر في ثلاثين ألف مقاتل في غزوة تبوك ، قبل أن يمضي على فتح مكة عام كامل ، ثم نرى في حجة الوداع بحراً من رجال الإسلام ـ مائة ألف من الناس ، أو مائة وأربعة وأربعين ألفاً منهم ـ يموج حول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالتلبية والتكبير والتسبيح والتحميد تدوي له الآفاق ، وترتج له الأرجاء ) .
ومن جملة المواقف نستخرج آثار تلك المعاملة النبوية في استجلاب قلوب الناس لدين الله ومنها :
الانصياع التام الذي كان المشركون يوم الفتح ، فقد ذهبت عنهم عجهية الكفر وأصبحت النفوس طائعة طالبة رضا الله ، ثم رضا نبيه ، وأظهر ما في ذلك أن الرسول الكريم عندما توجه على مكة قابله في الطريق وهو نازل بنيق العقاب أبو سفيان بن الحارث ، وعبد الله بن أبي أمية فالتمسا الدخول على رسول الله ، فكلمته أم سلمه في شأنها ، فقال : " لا حاجة لي بهما أما ابن عمي فقد هتك عرضي ، وأما أبن عمتي فهو الذي قال بمكة ما قال : ، فلما سمعا ذلك ت وكان مع أبي سفيان ولد له يقال له جعفر ـ فقال أبو سفيان : والله ليأذن لي أو لأخذن بيد أبني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشاً وجوعاً ، فرق لهما رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأدخلهما إليه فأسلما .
SmSm1414
09-02-2009, 05:56 AM
جزاكي الله كل خير
فعلا ديننا دين سماحه وتعاطف
الرسولصلي الله عليه وسلم فعلا بيثبت للعالم كله من خلال معاملته ان الاسلام عمره ما كان دين ارهاب او غيره
بارك الله فيكي
شكرا علي المعلومات والتوبيك :keda
اهــــــ،،،،،،ــــــلاوى
09-02-2009, 05:57 AM
صلى الله علية وسلم
حبيبى يارسول الله
جزاك الله كل خير ياغالى
تسلم ايدك
زيتونة القدس
09-02-2009, 06:04 AM
جزاكم الله خيرا
ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك
Powered by vBulletin™ Version 4.1.11 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, TranZ by Almuhajir